إظهار الرسائل ذات التسميات التنمية الإقتصادية. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات التنمية الإقتصادية. إظهار كافة الرسائل
2014-04-22
تكامل البنية التحتية مطلوب أساس للتنمية المستدامة
التنمية المستدامة والتخطيط العمراني
ان مفهوم التمية المستدامة حقيقة ظهرقبل عقدين من الزمان ليواجهة متطلبات المدن المتربولينة والحضرية والتي يجب النظر اليها بشكل عقلاني وعملي وتطبيقاته في استعمالات الارض والتخطيط الحضري بل ان المفهوم ظهرعام 1987 من قبل لجنة التنمية والبيئة في الامم المتحدة او مايعرف بمجلس بروندتلاند والذي اخذ في الاعتبار المفهوم في السياسة والادارة والتخطيط ,وقد وضع المجلس مثلا معايير فيما يتعلق بالتنمية الداعمة الو المستدامة في التخطيط العمراني والحضري و ان ياخذ بالاعتبار بعض العناصرالخمسة التالية :تقليل استخدام الطاقة وتقليل الانبعاثات لكل مساحة من المدينة ,من الاقليم جاعلا منها منسجمة مع المستوى المقبول بيئييا ووحسب معايير التنمية المستدامة ,الحفاظ بشكل واضح على الايكولوجي البيئي والمناطق الطبيعية ومصادر التربة وانتاج الطعام,حماية البيئة ,حماية المدن ممن النفايات ووالحفاظ على الثروات الطبيعة الخ .اليوم توسع المفهوم حيث اصبحت ((المدن المتسدامة)) او التعبير بمصطلح ((التنمية العمرانية المستدامة)) ولكن رغم هذا لم ياخذ في الكثير من مدن العراق هذا المفهوم الا قشورة حيث يمكن الاسئلة التي تنشا مع التنمية العمرانية المستدامة والتي يجب على مطبقها ان يعي الاسئلة التالية: هل هناك فعلا ومن خلال التنمية المستدامة الحضرية العمرانية ان يتم اعادة تجديدة تخطيط استعمالات الارض وهكذا ,وهل يمكن للتنيمة المستدامة الحضرية والعمرانية ان تعيد احياء التخطيط العملي بشكل فعال؟ وهل للتنمية المستدامة الحضرية اوالعمرانية ان تعدل وتنقح التخطيط الحضري والمتربولييتاني ؟هل هناك فعلا حقل تخصصي في حقل اسمتعالات الارض والتخطيط العمراني يمكن اعادة اختبار العملية التخطيطية في ضوء مبادئ واسس التنمية المستدامة؟ماهو المدى الحقيقي لاسلوب التنمية المستدامة الحضرية العمرانية على مستوى المتروبوليتان,الاقليم ,مدن متوسطة الحجم ,الخ,؟ هذه جزء من الاسئلة التي طرحها بحثنا لمعالجة موضوع التخطيط العمراني والتنيمية المستدامة في مدينة الحلة. يعتبرالتخطيط العمراني في انه اداة ووسيلة لتتحيق المصلحة العامة لكافة قطاعات وفئات المجتمع من خلال وضع تصورات ورؤى لاوضاع مستقبلية تتعلق بتوزيع الخدمات والانشطة واستعمالات الارض في الموقع الملائم وفي الوقت المناسب وبما يحقق التوازن بين احتياجات: احتياجات التنمية في الحاضر والمستقبل القريب من ناحية وبين احتياجات التنمية لاجيال المستقبل البعيد من ناحية اخرى اي تحقيق مايعرف بالتنمية المستدامة اي نعمل على دمج مفهوم التنمية المستدامة والمجتمعات المستدامة في صلب العملية التخطيطة العمرانية الشاملة. رغم الاجراءات الجزئية للحكومة المحلية وبالاخص مديرية بلدية الحلة وادارتها العمرانية في المحاولة لوضع تصاميم جديدة ومدروسة مغايرة للتصاميم السابقة في معالجة مشاكل المدينة المتعددة الخ الا انها ورغم محاولات البناء المتعددة على الشوارع الرئيسية وغيرها وفي شق الطرق الفرغية واالدائرية وخصوصا بعد سنة 2010 وما تبع ذلك من محاولة اعادة اعمارواستغلال وتغير الكثيرمن استعالات الارض وفي بناء الجسور بمستوين على محور شارع ستين دون غيرة لابراز فقط ان هنالك تحسن وتطور الا ان الاجراءات كانت من وضع التصاميم للمدينة ومحاولة مناقشتها لم تلق بالا ولم يؤخذ مايدعو لتنمية المدينة وفق منظور استراتيجي يهدف الربط بين التنمية المستتدامة واهداف التخطيط العمراني. ان الاجراءات الترقيعية والاوضاع الراهنة في المدينة اعني الحلة مقابل التحديات التي تعاني منها المدينة والتي تفرضها العشوائية وتضارب الاستعمالات والخنق المروري والحوادث المرورية وغيرها التي اثرت بشكل واسع على جماليات المدينة السابقة والتي كانت تدعى بالفيحاء ان هذا يعني عدم وجود سياسة سليمة متوازنة واضحة حيث نعلم ان المدينة سكانها يزدادون بشكل سريع وعشوائي ويقابلة طلب على الموارد والخدمات والبنى الارتكازية يستوجب اعادة النظر بمفهوم التخطيط العمراني والتنمية المستدامة والاستعانة بما لديهم خيرة في مجال التنمية والتخطيط كي يستطيع متخذي القرا ر وصناعة من وضع الخطط والسياسات المناسبة وبناء مؤسسات تخطيطة تقوم بتوجية وادارة عملية التخطيط العمراني التي غابت عن المدينة منذ اكثر من اربعين سنة. ان البحث يهدف بشكل رئيسي الى اقتراح عدد من الاستراتيجيات والسياسات التخطيطة لمواجهة التحديات والمعوقات التي تواجهها عملية التنمية المكانية والعمرانية في مدينة الحلة.
2014-04-09
: أهداف وخصائص التنمية الاقتصادية في المنهج الإسلامي
| |||
2014-04-06
تفعيل دور الزكاة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية
الرؤية:
إنشاء وزارة منفصلة للزكاة في كل بلد إسلامي، تتبعها فروع إقليمية بالولايات، على أن يكون هنالك بيت المال المركزي (بمثابة بيت مال المسلمين) والذي يكون مقره في بلد إسلامي يُختار بالاقتراع، والذي تنبع أُصوله من مساهمات الدول الأعضـاء، وفوائـض مصـارف الزكاة وسهمَيْ (في سبيل الله) و (المؤلفة قلوبهم) بالإضافة لريع الوقف العينية والوقتية، ودخول المنظمات الخيرية من التبرعات والهبات والنذور والتَرِكات.
يضم بيت المال المركزي مجلس أُمناء الخزينة، وهيئة كبار علماء المسلمين، والمصرف الإسلامي المركزي والذي ينتهج دساتير وسياسات لأسلمة البنوك التقليدية بالبلاد الإسلامية، ويمثِّل المرجع الأساسي للمصارف الإسلامية الحالية، وينفذ خططًا استثمارية لا ربوية طموحة من شأنها النهوض بميزانية بيت المال المركزي.
يلتقي أمناء خزينة بيت المال المركزي وأمين عام المصرف الإسلامي المركزي، وِثِقات عُلماء المسلمين بوزراء الزكاة وأمناء المصارف الإسلامية في مؤتمر عالمي جامع يُعقد سنويًا بمكة المُكرّمة أثناء موسم الحج للتفكُّر والتشاور، والتناصُح والتدريب ومناقشة الميزانية العامة لبيت المال المركزي، ومقابلة حاجيات الدول الإسلامية الفقيرة والمستضعَفة والمنكوبة، ومحو أمية أُمة اقرأ، وتعزيز التضامن الإسلامي الجاد، وذلك بعقد صفقات التكامل الاقتصادي والتجارة البينية والنقل البري لتنفيذها فور رجوعهم، توطئةً لعمل سوق جماعية وعُملة مُوحَّدة تحت مظلة (كومنولث أو اتحاد فيدرالي إسلامي) وذلك لجمع شمل أهل القبلة على كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة اعتصامًا بحبل الله وترسيخًا لقوله تعالى: {وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].
الهدف:
من أجل تنمية اقتصادية واجتماعية تعم بلاد المسلمين يجب إنفاذ فريضة الزكاة بجعلها جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من النظام المالي الاجتماعي للدولة، فالأصل أن تتولى الدولة جبايتها وتوزيعها في مصارفها عبر هيئة مستقلة ذات شخصية اعتبارية تضم هيكلًا إداريًا وماليًا متخصِّصًا، وشرطة للجباية، ومع نبذ الربا تنطلق الزكاة عبر خِطابٍ فاعلٍ ووعاءٍ شاملٍ للبناء الذاتي والتكافل الإيماني بدءًا بتزكية الفرد والأسرة والمجتمع، وتشجيع وإتقان الأعمال الحِرفية والصناعات الصغيرة محليًا لدرء الفقر ومحاربة البطالة، وعالميًا لإعمار الأرض حتى ننعم بنصر الله تأصيلاً لقوله تعالى: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5].
الزكاة جوهر عَقَدي وموروث حضاري وأداة للتمكين:
قال عزَّ وجلَّ في مُحكم كتابه الكريم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. [التوبة: 103]
{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ . لِلسَّائِلِ وَالْـمَحْرُومِ} [المعارج: 24 - 25].
{وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أُمرت أن أُقاتِل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، وَأنَّ مُحمداً رسول الله، ويقيموا الصَّلاة ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (متفق عليه). «ولم يَمنَعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القَطْر من السَّماء، ولولا البهائم لم يُمطروا» (رواه الحاكم وصحَّحه الذهبي والألباني).
«من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته، مَثُلَ له يوم القيامة شجاعاً أقرعَ، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثُم َّ يأخذ بلهزمتيه -يعني بشدقيه- ثُمَّ يقول: أنا مالك، أنا كنزك» ثُمَّ تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] (رواه البخاري). «ما نقص مالٌ من صدقة» (رواه مُسلم).
لقد فرض الله الزكاة وأحلَّ البيع، وحرَّم الربا من أجل الطُهر والبركة والنماء، وجعل إخراج زكاة أموالنا تمام إسلامنا.
فالزكاة في ظاهرها النقصان وفي باطنها الزيادة المباركة، والعكس في الربا الذي ظاهره الزيادة وباطنه النقصان والخسران.
فمِما لا شك فيه أنَّ الزكاة هي ثالث دعامة من دعائم الإسلام الخمس، وتُمثِّل الركن المالي والاجتماعي، وبها -مع التوحيد وإقامة الصَّلاة- يدخل المرء في جماعة المسلمين، ويستحق أُخوَّتهم والانتماء إليهم، كما قال تعالى: {فَإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]. فقد ورد في القرآن الكريم لفظ الصَّدقة بمعنى الزكاة، واللفظان متطابقان، فالقاعدة الأصولية هي أنَّه إذا ورد لفظ الصَّدقة وحده فيعني: (الزكاة لا غير) مثلما يُذكر لفظ الإسلام وحده ليعني الإيمان، وكما قال الإمام الماوردي: "الصَّدقة زكاة، والزكاة صدقة، يفترق الاسم ويتَّفق المسمَّى" (الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ص 145). فالعُرف حَوَّل معنى الصدقة للتصدُّق بما تجود به النفس على المتسوِّلين، وعندها ارتبـط مفهوم الصدقة أو الزكاة لدى كثير من الناس بالتطوُّع والعمل الخيري، لا بالإلزام والوجوب.
فالصَّدقة شقيقة الصِّدق، وتعني تمام التصديق بلزوم مساواة الفعل البدني (كالصَّلاة والصوم) بالفـعل المـالـي الاجتـماعـي (الزكـاة) بالقول والاعتقاد، ولذلك لا يكفي التوحيد وحده، بل اجتماع الفعل والقول والاعتقاد كلُحمة للعقيدة السليمة، فالزكاة هي حق (لا إله إلا الله) وتُمثِّل جسر التواصل وواسطة العقد لتأكيد هذا الارتباط من خضوعٍ بالعبودية لله، إلى اعترافٍ بفضل الله على عباده بما منحهم إيَّاه من أموال، والإحسان للآخرين بإيتاء الزكاة وجوبًا وليس تفضُّلًا عليهم، كدليل للإيمان الصادق كما روى مسلم: «والصَّدقة برهان».
من جانب آخر تسعى الزكاة لربط الدين بالدولة عبر تحقيق التوازن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، والعكس ينتج عنه ضَنَك العيش والتضخُّم الاقتصادي الذي يعيشه المسلمون اليوم لعدم تمكينهم لشرع الله، فكما هو معلوم أنَّ الزكاة شُرعت في المدينة المنوَّرة بعد الشهادتين والصَّلاة والصيام قبل الحج والجهاد، بَيْد أنَّها فُرضت على الأنبياء والمرسلين وأُممهم قبل البعثة المُحمدية ومنهم: سيدنا إبراهيم الخليل وإسحق ويعقوب وإسماعيل وعيسى -عليهم السلام- الَّذين دعوا للإسلام العام، إذ قال تعالى على لسـان المسـيح عيسـى ابن مريم -عليهما السلام- في المهد: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31]. فجاء رسولنا الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي بُعث للعالمين كافةً بشيرًا ونذيرًا فقال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أنَّ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً» (متفق عليه).
فنـجد في القرآن الكريم -الذي هو دستور الأمة المسلمة حقًا- اقترانَ الأمر بإيتاء الزكاة بإقامة الصلاة في ثمانية وعشرين موضعاً، فالزكاة رغم أنَّها قرينة الصَّلاة، لكنَّها ليست عبادة كسائر الأُمور التعبُّدية التي لا تقبل القياس والاجتهاد من صَّلاة وصيام وحج، فهي عبادة مالية، وحقٌّ معلومٌ، وضريبة مقرَّرة وجزء من النظام المالي والاجتماعي والاقتصادي للدولة، مع ذلك لا نجد الزكاة تنال الاهتمام المطلوب لا من قِبَل العلماء والباحثين، ولا من أصحاب القرار والرسميين من قِبَل الحكومات، فدوْر الزكاة مُهمَّش ومنغلق في مصالح وبيوت هزيلة للزكاة أو منظمات خيرية أو صناديق لمعالجة الفقر، تفتقر لمقوِّمات الإدارة والبحث الاجتماعي والرقابة الدقيقة.
فالأصل أن تتولى الدولة تحصيل الزكاة وتوزيعها في مصارفها الشرعية حتى نحظى بنصر الله كما استنبط العلماء من قوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْـمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْـمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 40 - 41]. وجاء تأكيد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا لدور ولي الأمر لإنفاذ الزكاة بكـل تجـرُّد ومسؤولية وبأرقى السـُبل، وجعلها جزءًا أصيـلًا لا يتجزأ من النـظام المـالي الاجتماعي للدولة، والدليل على ذلك حديث ابن عبـاس -رضي الله عنه- في الصَّحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعـث معـاذ بـن جبل -رضي الله عنه- إلى اليمن فقال له: «...فأعلمهم أنَّ الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُردُّ على فقرائهم...» الحديث
إذن فإن إقامة فريضة الزكاة غاية من غايات التمكين في الأرض، لأنَّ الزكاة تعود بالنفع الشامل على المجتمع والفرد مع الأخذ في الحُسبان أنَّ الغِلظة والحزم تجاه كل مكلَّفٍ مُماطل أو مُتحايل تُعادِل بالمثل مدى صدق شفقتنا على الفقير المعوَز والمسكين المحروم، وكامل حرصنا على إطفاء نار الحقد والحسد تجاه الأغنياء، وبها نستحق رحمة الله كما قال عزَّ من قائل: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156].
فالآن نجد ديوان الزكاة بالسُّودان، وبيت الزكاة بالكويت، ومصلحة الزكاة والدخل بالسعودية، لكننا نفتقد وزارة للزكاة تقف سامقة وسط وزارات (العمل والعدل والحج وغيرها...) وهدفنا السامي يرمي إلى قيام وزارة الزكاة لإرساء إحدى قواعد الدولة المسلمة المتراحمة في ما بينها بمشاركة المجتمع نفسه، وذلك للنهوض بأمتنا المتميزة أمة مُحمَّد صلى الله عليه وسلم من ويلات التخلُّف الاقتصادي والكساد الربوي، في عهد وقع فيه الشباب فريسة سهلة للقروض البنكية المستشرية، وبطاقات الائتمان، وعهد ساده التقوقُع والبطالة والانحلال.
فالزكاة تُمثل التنظيم المالي الوحيد الذي عرفه البشر على مر العصور، والذي يهدف لتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي القائم على مبدأ الأخوة الإيمانية وصدق الاعتقاد.
فهي من أهم مصادر التمويل الثابتة والدائمة لبيت مال المسلمين في أي دولة تسعى لتحقيق الرفاهية والعدل والمساواة، ففي قيام وزارة منفصلة للزكاة إضفاءٌ للصبغة الرسمية والكفاءة الإدارية لإحقاق الحقِّ مع مراعاة الحزم والعدل، وتقدير الحاجات بتقديم الأهم على المهم، لأداء هذه الشعيرة القُدسية على أكمل وجه بدءًا بالتحصيل الدقيق المتميِّز وانتهاءً بالتوزيع المُنصف الشامل، بعيدًا عن أجواء المحسوبية والمحاباة، وذلك عبر التمليك المباشر والفوري للمستحقين من جهة واكتشاف مقدرات الفئات الفقيرة المنتجة وتنميتها من جهة أخرى منعًا للتواكل.
فيجب ألا تتبع الزكاة لوزارة المالية أو الشؤون الاجتماعية، كما هو الحال في بعض البلدان الإسلامية شأنها كشأن سائر المصالح كالضرائب والجمارك والضمان الاجتماعي، فالزكاة أمرٌ رباني وليس أمرًا مدنيًا بحتًا كي تصب حصيلته في خزينة الدولة، كما سيضفي قيام الوزارة مزيدًا من النفوذ والشرعية لآلية تحصيل الزكاة، لأنَّ الوزير مُكلَّف من قِبَل ولي الأمر لجباية الزكاة عبر قنوات متخصِّصة من صميم هيكل وزارته، ومفوَّض في استعمال القوة القسرية والعقوبات التعزيرية، وخصوصًا لو امتنع الشخص أو الجهة عن دفع ما (عليه أو عليها) من مستحقَّات وبخاصة على نطاق الشركات الكبرى والمؤسسات والبنوك.
الأمر الآخـر هـو تثبُّت المكلَّفين من أنَّ أموالهم في أيدٍ أمينة، لأن الوزارة بعكـس المنظـمات الخيـرية تكـون محل ثقة وهيبة، وهي بنفسها تحصي المكلَّفين وتصل إليهم في أماكنهم لتأخذ الزكاة إلزامًا وليـس طـوعًا، وتشرف على توزيعها على مستحقيها عبر جهاز قوي أمين، حفيظ عليم من العاملين عليها، هذا مع الأخذ في الحُسبان أن كل ما كان من جانب الإحسان أو التطوُّع أو شتى القربات مثل: (التبرُّعات أو الأوقاف أو الهبات أو النذور أو الكفارات) والذي يأتي بعد دفع الزكاة المفروضة أولًا، يندرج تحت مصرف منفصل ليُصرف على غير مصارف الزكاة المشروعة: (كبناء المدارس وتشييد المستشفيات والمساجد وحفر الآبار والتشجير وتمويل مشاريع الدعوة الإسلامية بضروبها المختلفة) وذلك في بلدها الأصلي أو تُنقل للدول الإسلامية الفقيرة عبر التنسيق مع بيت المال المركزي كما سيرد لاحقًا.
أيضاً تأتي جاهزية وزارة الزكاة لإشاعة الفرحة والإخاء ومنع التسوُّل في أيام العيدين، وذلك بدءاً بجمع زكاة الفطر عن الأشخاص في شهر رمضان الكريم والتعهُّد لهم بتوفير الحبوب والثمار، وتوزيعها بارتياح لمستحقيها قبل حلول عيد الفطر، وذلك عبر فروعها المنتشرة في الولايات بالتنسيق مع لجان الزكاة المحلية، وبالعمل مع بيت المال المركزي ووزارة الحج في توزيع لحوم الهدي والأضاحي لفقراء الحرمين الشريفين وما فاض عنها لفقراء الأقصى وباقي دول العالم، وذلك أثناء موسم الحج وعيد الأضحى المبارك.
موارد الزكاة العصرية وهيكل الوزارة المُقترح:
وعاء الزكاة يشمل ثروات ودخولًا حديثة غير الأنعام والنقود والزروع والثمار، فهنالك المُستغَلات من العمارات الشاهقة والفنادق الفخمة، التي تُشيَّد للإيجار والاستغلال، والمصانع الكبيرة والآلات والأجهزة المتنوِّعة، وشتى رؤوس الأموال الثابتة أو المنقولة، التي تدرُّ على أصحابها أموالاً غزيرة من إنتاجها أو إكرائها للناس: (كالسفن والسيارات والطائرات والمطابع وغيرها...) وهنالك أنواع من الشركات التجارية والصناعية، وهنالك المال المستفاد من ذوي المهن الحرة (كالطبيب والمهندس والمحامي وغيرهم..) من أصحاب الأجور والمكافآت من موظفين وعُمَّال، فإذًا تجب الزكاة في كل مالٍ نامٍ ظاهرٍ، أو مِلك حُر بغرض التجارة والاستثمار، فمثلاً دول الخليج العربي غنية بثرواتها البترولية والمعدنية والبحرية، وماليزيا المتحضِّرة غنية بثرواتها الغابية والصناعية، والسودان غني بثرواته الزراعية والحيوانية.
وخصوصية الزكاة تنبع من أنَّها لا تسقط لعدم وجود الحـاجـة إليها، ولا تُستـبدَل بمـوارد أُخرى لنـيل منفـعة مباشرة كالرسوم والضرائب وغيرها، وأنَّ مصارفها الشرعية محدودة ومعروفة. فقد اعتَلَت سورة التوبة القرآن المدني في العـناية بأمـر الزكـاة بتصـدُّرها للوعيد لمانعي زكاة النقود بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34- 35]. وفي الآية الكريمة منع صريح للاكتناز والقبض واحتكار السلع، وحثٌّ على الاستثمار والتداول بإخراجهم للزكاة حتى لا تأكل الزكاة أموالهم.
كما أوصى المصطفى صلى الله عليه وسلم بإخراج الزكاة حتى من مال اليتيم كما روى الشـافعي: «ابتـغوا في مـال اليتـيم أو أمـوال اليتامى لا تذهبها أو لا تستهلكها الصَّدقة» (صحَّحه البيهقي والنووي).
فلو حُصِّلت زكاة جميع الشركات والمؤسسات والبنوك وكل ما حال أو تحقَّق عليه الحوْل، وبلغ النصاب من: (ذهب، فضة، ماس، بلاتين، لؤلؤ، رِكاز، معادن، أراضٍ، مُستغَلات، صناعات، سوائم، عروض تجارة، زروع، ثمار، رواتب) لما بقي فقيرٌ في عالمنا الإسلامي.
أمر الزكاة على الرغم من أنه سهل لكنه لا يعني بأي حالٍ من الأحوال التساهل في أخذ الزكاة أو تركها للأفراد لتأديتها على غير وجهها، فالزكاة تحتاج لهيكل تنظيمي أو جهاز إداري ومالي متخصِّص حتى يواكب تطور عجلة الحياة، ويقابل تنوُّع الأنشطة الاقتصادية والثروات، فموظَّف الزكاة يجب أن يكون مسلمًا ما لم يكن حارسًا أو سائقًا، وأن يكون مُكلَّفًا، وأن يتَّصف بالنزاهة التامة والدِّقة الفائقة، لأنَّ من يأكل مال الزكاة من غير وجه حق مصدَّق له به فكأنَّما يأكل الجمر -بمعنى الحديث- ولا يجوز له أخذ الهدية مهما كان، فهي رشوة كما ورد في حديث ابن اللَّتْبية المشهور، موظَّفو الزكاة يجب أن يُدرَّبوا على أمر الزكاة فقهًا وأداءً، ويعملوا في وزارة الزكاة بالمشاهرة لحين إثبات جدارتهم، على أن يتقاضوا رواتب مُجزية تُؤخذ من مصرف -بند- العاملين عليها، وينبغي ألا تتعدَّى ثُمُن حصيلة الزكاة كحد أقصى كما يرى الشافعية.
الجباية:
الجباية رسالة صعبة، وليس بمقدور السُعاة -مندوبي الجباية- وحدهم إقناع كل من يلزم التحصيل منهم، فَلا بُدَّ أن يضم فريق الجباية عناصر مؤهَّلة وحاذقة ومتخصِّصة في علمَي المحاسبة والتكاليف، ومُلمة بفقه المعاملات والبيوع، أيضًا من الضروري أن يصحبهم محاسبون قانونيون وهيئة محقِّقين محلَّفين بمرافقة شرطة الجباية التابعة لوزارة الزكاة، فشعيرة الزكاة في المقام الأول رسالة لين ولطف وتنوير وهداية لمن يعيها مع الشدَّة والقهر إذا استدعى الأمر ذلك، فإدارة العلاقات العامة والإعلام إدارة منفصلة وأداة فعَّالة تخدم آلية الجباية، وتعمل معها جنبًا إلى جنب، لبلورة خطاب الزكاة نحو تكافل وتآزُر المجتمع المسلم على كافة الأصعدة إرساءً للعدل والمساواة، ولئلا يكون المال دُولةً بين الأغنياء، أو حِكرًا لحِفنة من الأثرياء حتى ينفقوا بسخاء من مال الله الذي جعلهم مستخلَفين فيه.
بعدها يأتي دور المراجعة والتفتيش للتدقيق والمطابقة انتهاءً بالتحقُّق بأداء اليمين -القَسَم- من قِبَل أصحاب الأعمال والشُركاء والمساهمين في الأنشطة (زراعية كانت، أم رعوية، أم تجارية، أم صناعية، أم خدمية) أمام هيئة المحلَّفين المعتمدة لدى الوزارة، وذلك بعد مراجعة السجل التجاري والمصادقة على صحَّة الإحصاءات، وصحَّة رؤوس الأموال والأرباح والديون، ورصد ذلك عن طريق أنظمة شبكات الحاسب الآلي الخاصة بضبط ومراقبة حركة أرصدة حسابات الأفراد والشركات إلكترونيًا، والتابعة لإدارة الفحص والربط الآلي.
على وزارة الزكاة بكل بلد، وفروعها بكل ولاية: أن تكفل لشرطة الجباية كامل الصلاحيات لاتخاذ كافة الإجراءات القانونية الحاسمة والفورية، حسب اللائحة الشرعية التي تضعها الإدارة القانونية من قِبَل مستشاريها، مرجع هذه القوانين هو الكتاب والسُنَّة بالإضافة للقياس والإجماع والاجتهاد، التي تُجاز بواسـطة هيـئة كبـار علـماء المسلمين التابعة لبيت المال المركزي، أو مـن ينـوب عنها مـن لجـنة الفُتيـا والتـظلُّمات التـابـعـة للإدارة القانونية بكل وزارة، ومجملها هو أنَّ الإسراع بإخراج الزكاة أمر رباني لا يقبل المفاوضة، فقد أجمع المسلمون في جمـيع العصـور على وجوبها.
واتَّفق الصحابة -رضي الله عنهم- على قتال مانعيها، فروى البخاري بإسـناده عـن أبي هـريرة -رضي الله عنه- قال: "لمَّا توفي النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر -رضي الله عنه- وكفر من كفر من العرب، فقال عمر -رضي الله عنه-: كيف نقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم منـي مـاله ونفـسه إلا بحـقه وحـسابه على الله» فقال أبو بكر -رضـي الله عـنه-: أليـست الزكاة من حق لا إله إلا الله؟ واللهِ لأُقاتِلن مَن فرَّق بين الصلاة والزكـاة، لأنَّ الزكاة حـق المـال واللهِ لو منعـونـي عقالاً -وفي لفظ عناقا- كانوا يؤدونها إلى رسـول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. فقال عمر -رضي الله عنه-: رأيت الله قد شـرح صدر أبي بكر -رضي الله عنه- للقتال فعرفت أنَّه الحق".
فأما من يتهاون أو يتأخر في دفع الزكاة تؤخذ منه الزكاة قهرًا مع مصادرة نصف -ماله أو مالها- تعزيرًا وتأديبًا لمن كتم حق الله في ماله كما روى أحمد والنسائي وأبو داود، وكما روى البيهقي في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «من أعطاها مؤتجرًا فله أجره، ومَـن منعها فإنَّا آخذوهـا وشـطرَ ماله، عزمةً من عزمات ربنا، لا يحل لآل مُحمَّد منها شيء».
مصارف الزكاة:
على الجانب الآخر فأمرُ المصارف الذي يختص بالتوزيع العادل للمُستحقِّين، ينضوي تحت لواء إدارة المصارف، حيث تقوم هذه الإدارة بعقد لجان دورية بمبنى الوزارة أو فرعها الولائي للنظر في الطلبات المقدَّمة، وبحث أولويَّات الصرف حسب الميزانية المتاحة لكل بند من بنود الزكاة على حِدة، ومن ثَمَّ التصديق لمقدمي الطلبات المستحقين وَفْقًا لاستيفاء شروط الأحقيَّة، وذلك بناءً على المستندات المطلوبة.
فمصارف الزكاة الثمانية طبعًا هي: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، وفي الرقاب، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل، كما قال سبحانه وتعالى: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْـمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْـمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60]. يقوم الباحثون الاجتماعيون بإجراء التحري للمتقدِّمين مع عمل زيارات ميدانية لتفقُّد أحوال المسلمين أفرادًا وجماعات، ودراسة وتقييم ذوي الحاجات المُلحَّة (كالدِيَّة، والدَيْن، والمرض، والوفاة، والآخرين مِمَّن لا يسألون الناس إلحافًا) وذلك عبر التنسيق المتبادل مع فروع الوزارة ومُمثليها من لجان الزكاة الأهلية التي تُعقد دورياً بمساجد الأحياء، تمشياً مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمى» (رواه مسلم).
لكن هدفنا هو ليس مجرد صرف مبالغ للمستحقين فحسب، فنحن نود ألا يظل الفقيـر فقيرًا ولا المسكين مسكينًا فالله سبحانه وتعالى سخَّر لنا الكون بأكمله، وما علينا إلا أن نسعى قليلًا لنعمل ونتعب لننتج حتى نتذوَّق حلاوة التعب والكسب الحلال، كما قال سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].
كما قال: {فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].
أيضًا روى البخاري عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله على ظهره فيأتي بحزمة من الحطب فيبيعها، فيكفَّ الله بها وجهه، خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». فقد أجاز بعض الفقهاء المعاصرين الاستثمار بشروط معينة في جزء من أموال الزكاة في مشاريع اقتصادية وتنموية لحل مشكلة البطالة، وللتوسُّع الأفقي والرأسي في أموال الزكاة، وهو الشيء الذي يسمح بمقابلة حاجيات مصارف الزكاة المتزايدة وبالذات مصرف الفقراء والمساكين.
من أول الشروط هو: عمل دراسة جدوى شاملة لأي مشروع قبل اعتماده والبدء فيه من قِبَل إدارة المشاريع والاستثمار، وذلك لمنع إهدار أموال الزكاة.
وثاني الضوابط: هو أن تكون المشاريع الناجحة قصيرة الأجـل، ويعـود ريعـها لخـزينـة الزكـاة، وبعـضها تنتهي بالتمليك تحفيزًا للمجموعات المُنتِجة والمُتقِنة من المستحقين الذين انخرطوا فيها، فمثلاً شريحـة مَـن يُجيدون حرفةً أو تجارةً لكن تنقصهم الآلـة أو رأس المـال كـي يشـرعوا في اكتسـاب قوتِهم بأيديهم، أو يساهموا في ذلك على الأقل لو مُنحوا هذه المصادر (كإنشاء ورش حِـرفيـة أو مشـاريع زراعية أو رعوية أو صناعية صغيرة) أو بإعـطائهم رأس المـال الكـافي للتـجارة عن طريق قروض حسنة دون فـوائد، وبذلك تسـاهم الزكـاة مساهمة عملية في محاربة الرِبا.
ترمي المشاريع التنموية أيضًا إلى تشجيع الشباب العاطلين لاحترام العمل الحِرَفي، الذي يمثل البوابة لنهضة المسلمين، والذي هو من أشرف المهن اقتداءً بالأنبياء -عليهم السلام- والصحابة -عليهم رضوان الله أجمعين- وكما نعلم حديثًا أنَّ أسماء بعض الأُسر الكبيرة والعائلات العريقة يُنسب فخرًا لهذه الحِرَف: (كعائلة الصانع، الخيَّاط، اللحَّام، النجَّار، الحدَّاد، السقَّاف، الجزَّار، وغيرها..).
المشاريع تشمل: (المشاريع الزراعية والبساتين، الرعي، صيد الأسماك، تربية الدواجن، الطواحين، المشاغل النسائية..) المشاريع الحِرفية: (كالنِجارة، الخِراطة، الحِدادة، البِرادة، اللحام، السمكرة، الطلاء الكهربائي، الميكانيكا، الكهرباء، التبريد، السباكة، البناء، الترميم، الدهان، السقف، النقش، التصميم، الخَط، الرَسم، الطباعة، الفندقة، الحلاقة، الفِلاحة، الجزارة، الخبازة، والعطارة وغيرها...) فيجب على وزارة الزكاة تمويل مشاريع إعاشة ضخمة، تتبع لها معاهد تدريب مهني للأيتام، اللُقطاء، الأرامل، المطلَّقات، والراغبين والراغبات من البُسطاء والعاطلين القادرين على الكسب، بالإضافة لإقامة ورش عمل موسمية للطلاب والطالبات أثناء إجازتهم الصيفية.
أيضًا يأتي دور الزكاة الاجتماعي في تشجيع وتنمية الأُسر المنتجة من خلال تمويل وزارة الزكاة أو فروعها المنتشرة بالولايات لفصول محو الأُميَّة، بالإضافة لمشاريع تدريب المرأة في مجالات التدبير والاقتصاد المنزلي: (التغذية، الطهي، الحياكة، التطريز، الصباغة، الحِجامة، تزيين العرائس) الصناعات المنزلية الصغيرة: (كصناعة الأجبان، المربَيات، الحلويات، وغيرها..) بالإضافة للصناعات اليدوية ولُعَب الأطفال، وخدمات الكمبيوتر من (برمجة، وطباعة وغيرها...) التي من الممكن تعلُّمها ذاتيًا، وذلك لقتل الفراغ ولخلق بيئة إبداع ومنافسة في جو عائلي لا يتعارض مع رسالة تربية الأبناء، بل يوثِّق الرِّباط الأُسري ويُنمِّي صِلة الرحم.
من مزايا وزارة الزكاة أيضًا تزكية المجتمع بتمويل وتشجيع مهرجانات الزواج الجماعي التي تهدف لدرء شر العزوبية بتأهيل المساكين المُستَعفِفين من شباب الأُمة.
أيضاً دور الزكاة في توفير السِلم الاجتماعي ونبذ الشحناء المنتنة والبغضاء الحالقة بين الأفراد أو الجماعات المتناحرة أيَّاً كان نوعها: (قَبَلية جاهلية أو عصبية عِرقية أو جهويَّة طائفية) حتى نكون عباد الله إخوانًا، وذلك عبر فضِّ نزاعات المتقاتلين بعد ردِّها لديوان المظالم لتصفية الفِتَن بالمُناصحة والمواساة، وإبداء العفو بين المتخاصمين من جهة، ودفع دياتهم محليًا من بند الغارمين لإصلاح ذات البين.
من أولويَّات مصارف الزكاة أيضًا مدُّ يد العون لإعانة إخواننا المرضى محدودي الدخل، والذين بمقدورهم دفع جزء من ثمن العلاج لكنَّهم يحتاجون لعلاج يستمر لشهور أو سنوات مثل: (التنقية الدموية لمرضى الفشل الكلوي) أو مرضى في حاجة ماسَّة لإجراء عملية جراحية عاجلة، فتأمين العلاج لهم: إما عن طريق شراء أجهزة متكاملة دفعة واحدة للمستشفيات مع تشييد غرف عمليات مجهَّزة، وصالات تنويم بها سُرُر كافية، أو توفير نظام ضمان صحي يكفل الحالات المرضية الحَرِجة، وذلك عبر عقود مُبرَمة مع وزارة الصحة شريطة أن تمنح العناية الطبية المطلوبة للمرضى المستحقين فقط.
أيضًا يجب بناء مستوصفات خيرية تستغل وقف الوقت المهني لتقديم الرعاية الصحية الأولية للفُقراء المُعدَمين، والمعوَّقين عن طريق فريق طبي وباحثين اجتماعيين يتم تعيينهم من قِبَل الوزارة، كما يمكن لوزارة الزكاة في كل بلد إسلامي الاستفادة من بند (ابن السبيل) في بناء فنادق نموذجية، بمعايير إسلامية كي تحل محل الفنادق العالمية، وبيوت الشباب والأندية والمقاهي الماسونية، نفيًا للتقليد الأعمى لغير المسلمين، وذلك لتُقدِّم خدماتها للجميع بأسعار زهيدة يعود ريعها للمصرف ذاته، تقوم على طراز إسلامي وتحكمه نُظم إسلامية بحتة، فيه دار ضيافة مجاني للمسافرين المنقطعين وعابري السبيل.
أيضًا سيخدم مصرف (ابن السبيل) مشروع تبنِّي الطلاب الموهوبين، وتشجيع المخترعين من المسلمين، وذلك بدعم مشاريع البحث العلمي الجارية، وعلى سبيل المثال لا الحصر: (استخدام الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء) بديلاً لوقود السيارات في الشرق الأوسط لما يتمتَّع به من حرارة شمس متدفِّقة طوال العام.
بيت المال المركزي والمصرف الإسلامي المركزي:
الشيء الآخر هو دمج وتأطير عمل المنظمات الخيرية، التي لا يخفى علينا دورها الريادي في كفالة الأيتام والأرامل، وأسر الشهداء وأسر الأسرى والسجناء في سبيل الله، وبناء المساجد ودور العلم والمستشفيات محليًا وإقليميًا، لتصب في ما يُسمى ببيت المال المـركزي -نواةً لبيت مال المسلمين- وهو الذي يكون مقرُّه بدولة إسلامية تُختار بالتصويت.
يمثل بيت المال المركزي المرجعية لهذه المنظمات الخيرية، بسنِّه للقوانين والضوابط الشرعية من حيث أولويَّاتُ الصرف ومنع ازدواجية الدفع وبخاصةً البنود التي لا تشملها مصارف الزكاة، وتثبيت عنصرَي الشفافية والمصداقية في التصدي لتمويل أي أعمال إرهابية أو تخريبية، من شأنها إراقة دماء معصـومة مـن المدنيين الأبرياء أو الأسرى، فالحـق المشـروع -أصلا- هو رد الظلم والعدوان عن المسلمين، وأقلُّها مقاومة المحتل دفاعًا عن الدين والعرض، والوطن وحماية المقدَّسات الإسلامية، التي هي من أعظم القُرْبات.
من أولويَّات بيت المال المركزي التي ينبغي أن تساهم فيها وزارات الزكاة من الأقطار الإسلامية مجتمعة سهما (في سبيل الله) و (المؤلفة قلوبهم)، وما فاض من باقي المصارف الأخرى من التبرعات والهِبات والكفَّارات والنُذور إضافةً لريع الوقف الإسلامي والتركات والضوائع، وذلك لمساندة المجاهدين المستضعفين والمشرَّدين والمنكوبين من المسلمين وبخاصة في الثغور، كما يشير حديث النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقَّاص -رضي الله عنه- حين قال له في ما رواه البخاري: «وهل تُنصَرون وتُرزَقون إلا بضعفائكم؟»
هذا بالإضافة لتمويل البرامج الدعوية في المناطق الفقيرة وحديثة العهد بالإسلام بطريقة منظَّمة ومدروسة، وذلك بالدعم المادي للمسلمين الجُدد، وأن تمتد أيادينا البيضاء لإخوان الإنسانية ممن يُرجى إسلامهم، وذلك بحفر آبار مياه الشرب والتشجير، وتمويل قوافل الغذاء والكساء والدواء -ولو سنويًا- في فصل الشتاء، هذا بالإضافة لإنشاء المدارس القرآنية والمراكز الصحية وأيضاً الدعم المعنوي بابتعاث دعاة من بني جلدتهم للدول الإسلامية لتقوية إيمانهم، وعلمهم الشرعي حتى يسهموا بالفعل في نصرة إخوانهم الباقين، والدعوة في بلدهم الأصل بعد رجوعهم
أيضًا ثبت عن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- أنه كان يقول: "بصرف الزكاة في تأليف أصحاب النفوذ من الحكام والرؤساء غير المسلمين لدرء شرورهم، وحتى يسهموا في تحسين أوضاع الجاليات والأقليَّات المسلمة ومساندة قضاياهم" كما ورد عن الحبيب صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يعطي رؤساء القبائل من الزكاة، حتى يخفِّفوا من التضييق عمَّن أسلموا من أفراد تلك القبيلة، والمثال الشاخص في يومنا هذا هم الأقليات المضطهدة في قارة أوروبا من إخواننا (الأكراد والشيشان والألبان والبوسنيين) بالإضافة للأقليات المسلمة في (إريتريا وكشمير وكوسوفا) أيضاً يأتي دور تأليف أصحاب الفكر لكسب تأييدهم ومناصرتهم لقضايا المسلمين.
ينبغي أن يضم بيت المال المركزي مجلس أُمناء الخزينة، وهيئة كبار علماء المسلمين والمصرف الإسلامي المركزي الذي ينتهج الأخير دساتير إسلامية خالصة، وسياسات ربحية رشيدة لأسلمة البنوك التقليدية بالبلاد الإسلامية، ويمثِّل المرجع الأساس للمصارف الإسلامية الحالية كما في (السُّودان وباكستان وإيران) على المصرف الإسلامي المركزي، كما كان قصب السبق للبنك الإسلامي للتنمية، أن يُنفِّذ خططًا استثمارية طموحة من شأنها النهوض بميزانية بيت المال المركزي، وخاصةً بعد إنشاء الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة مؤخرًا وذلك للدخول في مشاريع تنمويَّة ضخمة من خلال سوق جماعية تحت إمرة (كومنولث إسلامي) ليتَّخذ من الدينار -مثلاً- عُملة موحَّدة للنهوض اقتصاديًا وعسكريًا بأمة شرَّفها الله تعالى بسورة الحديد، وتمتلك في أراضيها جُلَّ الحديد، وما زالت تستورد من الخارج من الإبرة حتى الصاروخ..! لتدرَّ عائداً وافراً لتغطية حاجيات الدول الإسلامية الفقيرة والمُستضعفة، والأُخرى التي تتعرَّض لنكبات وكوارث.
من أولويات بيت المال المركزي أيضاً تنمية موارد العالم الإسلامي بترشيد استخدام المياه، واستصلاح الصحارى التي تقع في خط الفقر، لزراعة الغلال والحبوب الزيتية والصمغ العربي وغيرها، والاستفادة من رمالها في صناعة الزجاج، ومن النباتات والزهور البرية في صناعة الأدوية والعطور، هذا بالإضافة لإعادة التدوير للتوالف والمخلَّفات...
ومن ثَمَّ يأتي دور الاستثمار في الصناعات الخفيفة المُتقَنة، التي هي بمثابة العمود الفقري للنهضة الصناعية والتي تشمل: تحلية مياه البحر، صناعة الملح، صناعة الزيوت، صناعة السكر، تعليب الخضر والفاكهة واللحوم، الغزل والنسيج وصناعة الملابس، دباغة الجلود وصناعة الأحذية؛ وذلك لتحقيق الأمن الغذائي والصناعي، وتصدير الفائض ومنع الاعتماد على الإعانات والقروض من غير المسلمين.
هيئة كبار عُلماء المسلمين التابعة لبيت المال المركزي:
إن في قيام هيئة كبار علماء المسلمين التابعة لبيت المال المركزي، التي تضم كوكبة من كبار العلماء الراسخين والثقات، بالغَ الأثر في التشاور والحِسبة وإصدار الفتاوى والضـوابط الـشـرعية بـناءً على قرآننا المجيد وهدي نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، هذا بالإضافة لإعمال القياس والاجتهاد آنيًا وظرفيًا مع مراعاة أدب الاختلاف بين المذاهب وفقه الأولويَّات، مع الموازنة بين درء المفاسد وجلب المصالح من دون إفراط أو تفريط.
فقد جاء عن عمر -رضي الله عنه- أنَّه أدخل القياس في باب الزكاة، وذلك حين أمر بأخذ الزكاة من الخَيل لما تبيَّن له أنَّ فيها ما يبلغ قيمة الفرس الواحدة منه ثَمَن مائة ناقة، فقال: "نأخذ من أربعين شاة، ولا نأخذ من الخيل شيئاً؟ فمن الأحرى أن تُجبى زكاة الخيل" في عصرنا هذا الذي انتشر استخدامها في التجارة والرهانات والسباقات بدلاً عن الرِّباط والجهاد، ومنها جاء قياس العمارات المؤجَّرة للسَّكن ونحوها على الأرض الزراعية، والرواتب والأجور على الأُعطيات، التي كان يأخذها ابن مسعود ومعاوية وعمر بن عبد العزيز -رضي الله عنهم- عند صرفها.
كما نقيس أيضًا القَزَّ والمنتجات الحيوانية كالألبان ونحوها على العسل الذي وردت الآثار بأخذ العُشر منه، ولذا ففي قيام هيئة كبار عُلماء المسلمين بأمر الاجتهاد الجماعي والقياس الصَّحيح مما يقود إلى استنباط فتاوى وتشريعات تخدم مسيرة الأمة مثل التكييف الزكوي للأموال والثروات والأنصبة، واعتماد مبدأ الخلطة في زكاة الشركات كما هو متعارف عليه في زكاة الأنعام.
ومن أولويات الهيئة أيضًا مساندة المصرف الإسلامي المركزي في سن القوانين والتشريعات، التي من شأنها الإبقاء على المصارف الإسلامية، مع أسلمة باقي البنوك التقليدية، التي تتعامل بالربا كُلياً أو جزئياً، وتشجيعها لنيل عضوية المصرف المركزي مقابل حوافز وتسهيلات مغرية على ضوء الكتاب والسنة، مع منع كل المعاملات الربوية الناتجة عن تداول الصكوك والسندات وغيرها في البنوك وسوق الأوراق المالية (البورصة).
فعمليات تداول مثل هذه الأسهم لا تخدم الاقتصاد، لأنَّها مجرد حركة للأموال بين الأيدي المتقاعسة من دون تحقُّق استثمار فعلي، ومنع فائض الأموال من الاتجاه للاستثمار الحقيقي، والمستفيد الوحيد هم المضاربون الخاسرون، وثاني مفسدة هي أنَّ الشركات المضاربة لا تستفيد من بيـع أسهمها أو تبادلها أو ارتفاع قيمة أسهمها، لأنَّه لن يحقق لها أموالاً بل على العكس يجرها للاقتراض والإفلاس. ومـثل هـذا التعاطي المحرَّم لا يعفـي صـاحــبه من دفع زكاة المال، التي تقتضي القيمة الاسمية للصك أو السند. وما تحقَّق من ربحٍ خبيثٍ فعلـيه التخـلُّص مـنه بعـيداً في أوجـه الخـير، لأنَّ الله تعالى طيـبٌ لا يقبل إلا طيباً. فيجب اعتماد نظام المرابحات والمضاربات الإسلامية من قِبَل المصرف الإسلامي المركزي لتعميمه على المصارف الأعضاء، لتحل محل الاستثمارات غير المشروعة أو المشبوهة، تحرياً للحلال ونفياً لمحق البركة الناتج من اختلاط الصالح بالطالح.
أيضاً من مزايا الهيئة الأخذ بالقياسات والاجتهادات الفردية المعتبَرة كما اجتهد فضيلة الشيخ القرضاوي -أثابه الله وهو الذي يُعَد من كبار علماء العصر المتخصِّصين- عندما رجع لرواية عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- وبعض التابعين الآخذين بجواز صرف الزكاة على أهل الذِمة من غير المسلمين، ورأى أن تُؤخذ من أغنياء غير المسلمين ضريبة كزكاة عن أموالهم، باسم ضريبة التكافل الاجتماعي أو البِر -مع الاتفاق مع الـزكاة في الوعـاء والشروط والمقادير- لتصب في مصرف منفصل لِتُرد على فُقرائـهم قيـاماً بواجب التكافل والتراحُم الذي يشمل المسلم وغير المسـلم ما دام يعيـش في كنـف دولـة الإسـلام وتحقـيقاً لقوله تعالى في أهل الكتاب عامةً: {وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].
وحتى لا يكيدوا حسدًا لصرفنا عن الإيمان وبالذات الصَّلاة والزكاة كما قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْـحَقُّ} [البقرة: 109]. فهنا تتَّسع دائرة الزكاة إلى آفاق أرحب ومفاهيم أسمى للتعايُش والتغلغُل ترغيبًا لغير المسلمين في ديننا القويم، وعند اندماج شعوبنا وترسيخ هويتنا تجتمع القلوب، وننسى الحدود وننعم بالنصر الموعود.
هذا والله أعلَم وأحكَم، وصلى الله على سيدنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين.
أهم عوائق التنمية الاقتصادية في الدول العربية
عندما تبدأ الدول النامية في تجربة بناء الاقتصاد الوطني تواجه شكلين لتجربة البناء الاقتصادي في الدول المتطورة وهما النظام الرأسمالي القائم على أساس الاقتصاد الحر والنظام الاشتراكي القائم على أساس الاقتصاد المخطط . وعندما تحاول الدول النامية أن تختار منهجاً لعملية التطور الاقتصادي الاجتماعي وبناء الاقتصاد الوطني لا بد أن تهتم بعملية تفاعل شعوبها مع هذا المنهج. وتعبئة كل الطاقات في معركتها ضد التخلف وتحقيق أعلى وتائر للنمو فيها.
ويظل الاستعمار بشكليه الجديد والقديم هو المسؤول عن حالة التخلف الاقتصادي الاجتماعي التي تعيشها الدول العربية. ولن تستطيع الدول العربية الخروج من هذه الحالة إلا عن طريق استخدام الموارد الطبيعية المحلية المتاحة لزيادة كمية السلع والخدمات التي تنتجها في سبيل تلبية احتياجات مواطنيها وهذه هي التنمية الاقتصادية المطلوبة وتواجه التنمية الشاملة في الوطن العربي عدداً من المشاكل والصعوبات أهمها :
• ارتفاع معدل تزايد السكان في الدول العربية .
• النقص في الكوادر الوطنية.
• التبعية وأهمية قطاع النفط .
• التفاوت في مستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي .
• انخفاض مستوى الادخار وتراكم رأس المال.
• التجزئة وإعاقة التنمية في الوطن العربي.
إن ترتيب هذه الصعوبات حسب أهميتها، قد لا يكون واقعياً كما ورد أعلاه. ففي الدول العربية على سبيل المثال قد يكون العامل الخامس قبل العامل الأول وهذا مرتبط بالظروف العامة لكل قطر، وتختلف درجة تأثير أحد هذه العوامل من قطر لآخر.
- ارتفاع معدل تزايد السكان في الدول العربية:
العقبة الهامة في طريق التنمية الاقتصادية في الوطن العربي هي ارتفاع معدل تزايد السكان، بحيث تكون معدلات زيادة الإنتاج السنوي تعادل أوأقل من معدل تزايد السكان مما يزيد البلدان الفقيرة فقراً. حيث أن الزيادة الكبيرة في عدد السكان تفرض عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الوطني، وتستنفذ الموارد المتاحة بصورة أسرع. لقد استطاعت بعض الدول العربية أن تنجح في الحد من زيادة السكان، ودول عربية أخرى استطاعت أن تبدأ بدايات سليمة في سبيل الوصول إلى الهدف ذاته، كما أن هناك بعض الدول العربية التي لم تتمكن من خفض معدل تزايد السكان، مما أدى إلى عرقلة سير عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها.
وتتميز البلدان العربية بانخفاض نسبة السكان الذين يشاركون في النشاط الاقتصادي فيها. فبينما بلغ مجمل السكان في بدء العقد الحالي (السبعينات)، نحو 170 مليون نسمة. قدر حجم قوة العمل بنحو 45 مليون مشتغل. أي أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 26.5% ويعود ذلك إلى التركيب العمري للسكان وضعف مساهمة المرأة في أنشطة إنتاجية منظمة خارج المنزل والأسرة( ).
إضافة إلى ذلك، يتسم الأداء الاقتصادي في الدول العربية بانخفاض إنتاجية العمل وخاصة في قطاع الزراعة. وهذا طبعاً يعود إلى ضعف مؤهلات ومهارات القوى البشرية، طبيعة التقنية المستخدمة ومدى كفاءة إدارة النشاط الاقتصادي.
ويخرج التقرير الذي أعدته اللجنة الدولية برئاسة فيلي براندت والذي نشر عام 1980 باستنتاج مفاده (أن التنمية تقلل من معامل الولادة). أن الصلة بين الولادات والتنمية تبرز في اتجاهين، من جهة كلما كان مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية أعلى انخفض أكثر معامل الولادة واقترب من المستوى الذي نشأ في الدول المتطورة صناعياً. ومن جهة أخرى، كلما كان معامل الولادة أعلى، لدى الظروف الأخرى المتماثلة، صعب أكثر تحقيق مؤشرات أعلى للتنمية، وخاصة بالنسبة للفرد من السكان. وفي نهاية المطاف تتوقف وتائر نمو الناتج الداخلي الإجمالي بالنسبة للفرد من السكان. وفي نهاية المطاف تتوقف وتائر نمو الناتج الداخلي الإجمالي بالنسبة للفرد من السكان (أي المؤشر الاقتصادي للبلاد وقدراتها) سواء على حجم الإنتاج ووتائر نموه أو على وتائر النمو السنوي للسكان( ).
من المظاهر الإيجابية بالنسبة للسكان والقوى البشرية في الوطن العربي، أن (أبرز أنواع الإنتاج العربي المستمر على سوية عالية هو "الإنتاج البشري" أي تزايد السكان. أما المظاهر المقلقة للناحية السكانية في الوطن العربي هي : أن قوة العمل لا تزال تمثل بين 25 و 30% من مجموع السكان، وقد تزيد في بعض الدول وتنقص في أخرى، إلى أنها تظل منخفضة جداً مقارنة بالدول المتقدمة( ). والأسباب الرئيسية لانخفاض نسبة قوة العمل هي :
1- عدم دخول المرأة العربية معترك العمل والإنتاج بصورة مقبولة.
2- زيادة عدد الأطفال والسكان المعالين (دون سن العشرين).
3- البطالة بأشكالها المختلفة.
( لا شك أن تنمية الطاقات البشرية هي عماد مشروع التنمية في أي مجتمع، ولكنها تكتسب أهمية خاصة في الوطن العربي، إذ على خلال الأفكار الشائعة عن ثراء الوطن العربي، ليست المنطقة العربية غنية، في الأجل الطويل، إلى بالبشر، وفقط إذا تمت تنمية طاقات العرب بما يمكنهم من المشاركة الفاعلة في مشروع التنمية). ( )
وعملية بناء الإنسان عملية شاقة جداً وتتطلب العديد من الجهود، ولا يمكن الاستفادة القصوى من الطاقات البشرية في الوطن العربي، إلا من خلال بناء الإنسان عن طريق، التعليم وتطويره، وهذا يتضمن محاربة الأمية والقضاء عليها، وتطوير ملكات النقد والتعبير والإبداع، إضافة إلى ذلك يحتاج بناء الإنسان إلى رفع المستوى الصحي، توفير الغذاء الكامل، تأمين الوقاية والعلاج من الأمراض، أي بصورة إجمالية تأمين الحاجات الإنسانية الضرورية التي تحفظ كرامة الإنسان.
إن التفاوت في مستوى التطور الاقتصادي يؤثر ويتأثر في المعدل السنوي لنمو السكان، حيث يلاحظ أن الدول ذات المعدل المنخفض لنمو الناتج المحلي تتميز، كقاعدة عامة، بمعدل عالي سنوي لتزايد السكان. وهذا يؤدي بالنتيجة إلى تزايد التفاوت في حصة الفرد من الناتج المحلي.
كما أن التفاوت في مستوى التطور وعدد السكان في البلدان العربية يعتبر من العوامل الهامة التي تعيق عملية التنسيق والتكامل والتعاون فيما بين هذه البلدان.
ويمكننا تقسيم أقطار الوطن العربي من حيث عدد السكان إلى المجموعات التالية:
1- المجموعة الأولى - وتضم البلدان التي يقل عدد السكان فيها عن خمسة ملايين نسمة وتحتاج هذه الدول لتأمين احتياجات مواطنيها إلى بناء بعض فروع الصناعة مثل الصناعات الغذائية، النسيجية، صناعة مواد البناء، الطاقة إلخ .
2- المجموعة الثانية - وتضم البلدان التي يتراوح عدد سكانها بين 5 و10 ملايين نسمة وتتسع هنا إمكانية بناء بعض الصناعات الهامة لإنتاج السلع الاستهلاكية وكذلك الصناعات الكيماوية وصناعة الآلات لتأمين ما تحتاج إليه السوق المحلية، وتتميز هذه البلدان بأنها مرتبطة بصورة قوية مع الدول الأخرى ذات المستوى المماثل من النمو الاقتصادي الاجتماعي.
3- المجموعة الثالثة - وتضم البلدان التي يتراوح عدد سكانها بين 10 و 15 مليون نسمة، وتحتاج هذه البلدان إلى قيام بعض الصناعات الهامة والمتخصصة أحياناً لتأمين حاجة السوق من السلع والمواد، والتخصص هنا يشمل القطاعات التقليدية في الصناعة والقطاعات الحديثة.
4- المجموعة الرابعة - وتضم البلدان التي يزيد عدد سكانها عن 15 مليون نسمة.
وتكون لدى هذه المجموعة إمكانية الاكتفاء الذاتي والاعتماد على التجارة الخارجية والاستيراد أقل من بقية المجموعة الأخرى، وقد يمكنها هذا العدد من السكان من بناء قاعدة صناعية تشمل كافة الفروع الأساسية للإنتاج.
- النقص في الكوادر الوطنية في الدول العربية:
إن بناء الكوادر القادرة على المساهمة في عملية التنمية الاقتصادية يعني تطور المدارس والتعليم بصورة عامة والتعليم بصورة خاصة، فعلى الرغم من كون إعداد الطلاب في الجامعات والمدارس الثانوية في الدول العربية في ازدياد مستمر إلى أنه لا يزال أقل من المستوى المطلوب إذ أن هذه المشكلة هو هروب الأدمغة، أو ما يسمى بالإنكليزية (brain drain) إلى البلدان الرأسمالية المتقدمة، وأهم العوامل التي تساعد على هجرة الخبرات من الدول العربية الظروف المادية الأفضل التي توفرها لهم الدول التي تستقبلهم وخاصة الرأسمالية، وتقدم هذه الدول من المغيرات لسرقة الأدمغة من البلدان العربية التي هي بأمس الحاجة إلى خبراتها. إن أفضل وسيلة لبناء الكوادر الوطنية المؤهلة هي بناء شبكة من المدارس التعليمية الفنية ولقد استطاعت بعض الدول العربية أن تحقق نتائج معقولة في هذا المجال.
وحيث أن الدول العربية مرغمة على استيراد التكنولوجيا الحديثة من الدول المتقدمة فهي تعاني حالياً من مشكلة جديدة: ما هي درجة التقنية والتكنولوجيا التي يجب أن تستوردها، بحيث تعطيها أفضل النتائج في زيادة إنتاجية العمل وتناسب مرحلة النمو والتطور التي تمر بها هذه البلدان؟ ( ) وللإجابة عن هذا السؤال يجب تحديد دور ومكانة الثورة التكنولوجية العلمية في تسريع عملية التطوير والنمو في الدول العربية. وتعبر الثورة العلمية التكنولوجية أهم العوامل التي تهدف إلى تسريع النمو الاقتصادي الاجتماعي وبمعنى أدق تهدف إلى زيادة إنتاج السلع والخدمات.( )
إن عملية استيراد التكنولوجيا ليست عملية سيئة بحد ذاتها، إلا أن عدم توافر الشروط الاجتماعية والاقتصادية المناسبة سيكون عائقاً في عملية الاستفادة من الثورة العلمية التكنولوجية وسيؤدي بالتالي إلى نتائج سلبية على عملية التنمية وتجدر الإشارة هنا إلى نسبة تحديث وإدخال التكنولوجيا إلى مختلف القطاعات لا ينمان بدرجة واحدة وإنما يتمان في الدول العربية بدرجات متفاوتة، ففي حين نجد أن بعض القطاعات الاقتصادية تعمل وتستفيد من التكنولوجيا العالية المستوردة نرى هناك قطاعات ما زالت تعمل بطرق بدائية، وهذه نتيجة وقوع الدول العربية دائماً ضحية استيراد هذه التكنولوجيا الحديثة في صنعها.
- التبعية وهيمنة قطاع النفط في الدول العربية:
تختلف درجة اعتماد الاقتصاد على النفط وتبعيته من دولة إلى أخرى ولكننا نستطيع أن نقول أن معظم الدول العربية وأعضاء الأوابك خاصة تعتمد في اقتصادها الوطني على النفط ويبدو ذلك واضحاً من خلال حصة النفط في إجمالي الصادرات أو في إجمالي الدخل أو في إجمالي الناتج القومي، تراوحت حصة النفط في صافي الدخل القومي في خلال الفترة(1970-1980) بين 56.3% و82.7% والجدير بالذكر أن حصة النفط في إنتاج الدخل القومي تزداد باستمرار، لقد زاد نصيب النفط في إنتاج الدخل القومي في المملكة العربية السعودية من 5507% عام 1970 إلى 70.9% عامي 1973-1974، أما في ليبيا فلقد تراوحت حصة النفط بين 51.3% و61.2%، ولقد شمل هذا الاتجاه – ازدياد حصة النفط في إجمالي الناتج القومي –بقية الدول النفطية العربية.
لقد أصبحت الدول العربية الغنية بالنفط تشكل مكاناً اقتصادياً مناسباً لرأس المال الأجنبي الذي بدأ يغزو هذه الدول لاستثماره في استخراج النفط، وكان الهدف الذي يسعى إليه رأس المال هذا هو تحقيق أكبر الأرباح لأصحابه ومصالح الدول الأجنبية التي قدم منها دون أي اهتمام بمصالح الدول المنتجة للنفط، أن الربحية العالية التي كانت تعطيها الاستثمارات في مجال النفط جعلت الرأسمال الأجنبي لا يهتم أبداً ببقية القطاعات الاقتصادية الأخرى. لقد استطاعت شركات النفط الاحتكارية بفضل قوتها ومكانتها الاقتصادية أن يكون لها أثر كبير في الحياة السياسية والاقتصادية للدول العربية النفطية، لقد كانت معظم الأحداث السياسية والاقتصادية التي مرت بهذه البلدان مسيرة إلى درجة كبيرة من قبل شركات النفط الاحتكارية وبما يخدم مصالحها قبل مصالح الدول صاحبة العلاقة بهذه الأحداث، ونجم عن ذلك اعتماد اقتصاد هذه الدول بصورة كاملة على استخراج وتصدير النفط الخام، أن اقتصاديات هذه البلدان أصبحت بالكامل تعتمد على إنتاج النفط الخام وبيعه للدول الصناعية الكبرى، وبالتالي أصبحت البلدان العربية النفطية تابعة للسوق العالمية للنفط، أي أن هذه الدول أصبحت عبارة عن مصدر كبير للنفط الخام حيث أنهم لا يملكون بصورة عادية أي إمكانيات أخرى للحصول على الكميات الكبيرة من القطع الأجنبي التي يحتاجون إليها من أجل دفع قيمة المستوردات التي يشترونها، كما أنهم لا يملكون صناعة وطنية لتأمين حاجة السوق الداخلية من السلع ولذلك فهم مضطرون لتغطية ما يحتاجون إليه من سلع، صناعية كانت أو زراعية، استهلاكية أو إنتاجية، عن طريق الاستيراد.( ) إن القضاء على التبعية الاقتصادية يتطلب تنفيذ شروطاً ثلاثة على الأقل وهي:
1- يجب أن يكون هيكل الإنتاج عاملاً مساعداً على النمو وملبياً حاجات الاقتصاد الوطني.
2- يجب أن يكون تنويع وتوزيع التجارة الخارجية لبلد ما بدرجة معينة بحيث تكون عاملاً مساعداً على النمو أيضاً.
3- إن عملية التنمية وإرادتها يجب أن تكون بيد الشعب صاحب المصلحة الحقيقية في النمو والتطور.( )
ونرى أن الدول العربية ان لم تكن تفتقر لهذه الشروط الثلاثة فهي تفتقر بالتأكيد إلى أحدها وبذلك فهي تعاني من مشكلة التبعية الاقتصادية واعتماد اقتصادها على النفط الخام. والجدول التالي يوضح مدى اعتماد اقتصاديات بعض الدول العربية على النفط وتبعيتها له.
حصة النفط في صادرات كل من الكويت والسعودية
وليبيا خلال الفترة 1973/1977
الدولة 973/974 1974/1975 1975/1976 1976/1977
الكويت 96.4% 93.6% 93.0% 92.3%
السعودية 99.9% 99.8% 99.9% 99.1%
ليبيا 99.9% 99.9% 99.9% 99.9%
المصدر: أطروحة دكتوراه للكاتب تحت عنوان (أثر زيادة عوائد النفط على التنمية الاقتصادية الاجتماعية في دول الأوابك) باللغة البولونية ص292 .
وتقوم حالياً الدول العربية ببناء المشاريع التي وجدت أنها ضرورية للقضاء على التبعية للسوق التجارية العالمية (التجارة الخارجية) والهدف من قيام هذه المشاريع هو تنويع القاعدة الاقتصادية وعدم الاعتماد على النفط الخام وحده، أن تنفيذ مثل هذه السياسة يجب أن يحقق الأهداف التالية:
1- زيادة حصة المنتجات الصناعية في إجمالي الصادرات وخفض حصة النفط الخام.
2- تهيئة وإيجاد قاعدة متينة تساعد على تحقيق التطور والنمو في مختلف المجالات .
3- بناء الصناعات الضرورية والقادرة على منافسة البضائع والسلع المستوردة.
4- تحسين شروط التبادل التجاري في التجارة الخارجية والتي يجب أن تكون وسيلة تخدم عملية استخراج الاحتياطات والثروات المعدنية وألا تكون التجارة الخارجية غاية بحد ذاتها.
إن النتائج الاجتماعية والاقتصادية لهذه العمليات سوف تختلف من بلد لآخر، وهذا يعتمد قبل كل شيء على الإمكانات والظروف المتوافرة والتي تساعد على النمو، وعلى مفهوم التنمية وتحديد هيكلها وأهدافها السياسية والاجتماعية ومدى فعالية النمو والتطور بالنسبة إلى هيكل العام للاقتصاد الوطني.( )
ويقتضي العمل على إشباع الحاجات الأساسية في إطار الاعتماد على النفس، تطوير النسق الإنتاجي القائم حالياً في الوطن العربي ليتوجه، في الزراعة والصناعة والخدمات، وبالتفاعل مع بناء القدرة التكنولوجية الذاتية، لإنتاج (قيم الاستعمال) المطلوبة للوفاء بالحاجات الأساسية للناس وبالتركيز على الاستهلاك الجماعي بدلاً من الفردي، وذلك عوضاً عن نمط الاستهلاك المقلد للغرب والذي يقوم على تنوع كبير في السلع المصممة لمجموعات الدخل العليا، ويتطلب استيراداً واسع النطاق للتكنولوجيا المجسدة في السلع والمعدات، وواضح أن هذا التوجه يؤدي بدوره لدعم التحرر من التبعية التكنولوجية، وتطوير القدرة الذاتية في التكنولوجيا .
- التفاوت في مستوى التطور بين الدول العربية:
يضم الوطن العربي دولاً ذات ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية متباينة ومستويات متفاوتة من التطور، وتختلف الدول العربية بعضها عن بعض، من حيث المؤشرات الطبيعية – الديمغرافية .
بيد أن الدول العربية كافة يوحدها عدد من العوامل، اللغة المشتركة، التاريخ المشترك، الثقافة العربية، الشعب العربي، الوطن الواحد، المصالح الاقتصادية المشتركة إضافة إلى عامل مهم جداً وهو أن أمامها جميعاً مهمة التنمية الشاملة، وتسريع وتائر النمو، وفي الوقت ذاته يتجلى بوضوح أكثر فأكثر تمايز الدول العربية واشتداد التفاوت في تطورها إضافة إلى التمايز والتفاوت في مستوى التطور بين الدول العربية، فإننا نجد مجالاً ثانياً للتفاوت، وهو التمايز بين الدول العربية والدول النامية، ومجالاً ثالثاً بين الدول العربية والدول المتقدمة.
ويمكننا تحديد درجة التفاوت بين الدول العربية من خلال :
- المؤشرات الديمغرافية : (النمو السنوي لعدد السكان، عدد الولادات، عدد الوفيات).
- المؤشرات الاقتصادية : (مقارنة معدلات النمو، بخاصة معدل نمو الناتج الإجمالي لبعض الدول العربية، خلال فترة زمنية طويلة).
والجدول التالي يوضح لنا مؤشرات التفاوت (وعدم التكافؤ) في مستوى التطور وعدد سكان بعض الدول العربية :
مؤشرات التفاوت (وعدم التكافؤ) في مستوى التطور وعدد سكان بعض الدول العربية
الدول العربية عدد السكان (مليون نسمة) المعدل السنوي لنمو السكان الدخل الفردي (دولار) معدل النمو خلال الفترة
(1950-1976)
الناتج المحلي الإجمالي الناتج المحلي الإجمالي للفرد
1979 1985 (%) 1979 (%) (%)
مصر 41 47.1 2.6 310 5.30 2.75
الجزائر 19 21.7 3.3 1100 6.20 3.50
المغرب 19 23.0 3.2 570 2.65 0.01
السودان 18 23.0 2.7 200 4.10 1.45
العراق 13 16.5 3.4 1530 5.60 2.26
الكويت 1 1.3 3.7 12700 11.40 4.90
قطر 0.2 0.2 3.0 11670 17.05 13.93
المصدر: ماي فولكوف، اشتداد التفاوت في التطور، سلسلة البلدان النامية، قضايا وآفاق العدد (2) لعام 1984، أكاديمية العلوم السوفييتية، موسكو 1984، ص135 .
لقد نشأت بسبب التفاوت في التطور الاقتصادي بين الدول العربية، هوة كبيرة وعميقة من حيث مؤشر الدخل الفردي، حيث نلاحظ أن الدخل الفردي في الكويت يصل إلى 12700 دولار في عام 1979 بينما لم يتجاوز في مصل مبلغ 310 دولار. بالتأكيد كان هذا الفرق الكبير في درجة التفاوت بين دخل الفرد الفرد في مصر مثلاً ودخل الفرد في الكويت وقطر، ناجم عن المبالغ والعوائد الكبيرة التي تحصل عليها الدول العربية الغنية بالنفط مقابل تصدير كميات كبيرة من هذه الثروة المعدنية.
وتنشأ نتيجة لعملية التمايز – الذي يتزايد أكثر فأكثر مع مرور الوقت – وتعاظم عدم التوازن في تطور الدول العربية. مجموعات من الدول المتباينة من حيث مستوى التطور الاقتصادي، وفي النتيجة يكون لها أثر سلبي على التكامل الاقتصادي العربي، وقيام الوحدة العربية الشاملة.
كما يؤدي التفاوت وعدم التكافؤ المتزايد، إلى أضعاف الجبهة الموحدة للأقطار العربية مع بقية الدول النامية في مواجهة النهب الإمبريالي، وفي سبيل إقامة نظام اقتصادي دولي جديد.
- التراكم، الادخار والاستثمار في الدول العربية:
إن ارتفاع نسبة التراكم في الدخل القومي لا تؤدي حتماً إلى حل مشكلة تمويل الاستثمارات الضرورية، ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار كمية التراكم وخاصة في الدول النامية، وفي مرحلة تحديث الاقتصاد القومي واستيراد التكنولوجيا، يُكّون الحجم المطلق للتراكم أهم من مؤشر ارتفاع نسبة التراكم.
الاستثمار هو الإنفاق الذي يجبر به رب العمل كي يقيم أو يحفظ ويطور الجهاز الإنتاجي، ويعبر عنه عادة بتحويل رأس المال النقدي إلى رأسمال منتج (تحويل مبلغ من المال إلى وسائل عمل وإنتاج). والاستثمار على مستوى المنشأة أو المصنع يختلف عنه على مستوى الاقتصاد الوطني، ففي حين نلاحظ أن شراء مصنع في حالة العمل يشكل استثماراً بالنسبة للشاري، وتوقع عن الاستثمار بالنسبة للبائع، بينما هذا الإجراء لا يشكل أي الاستثمار جديد بالنسبة لمجمل الاقتصاد الوطني. ( )
والاستثمارات الخارجية هي عبارة عن المؤسسات والمشاريع التي يتم إقامتها في دولة ما ولكن بتمويل خارجي ومن قبل دولة أخرى، سواءً قام بذلك الأفراد أو المؤسسات. ونعني بالاستثمار دائماً، ما يضاف إلى رصيد المجتمع من رأس المال مثل تشييد مباني سكنية جديدة، مصانع جديدة، آلات جديدة فضلاً عن أية إضافة إلى المخزون من المواد الأولية والسلع تامة الصنع أو نصف المصنوعة.
إن عملية التنمية تحتاج إلى تراكم لرأس المال يتزايد باستمرار، حين يجب أن يتم استخدام كامل مدخرات الأفراد والمجتمع عن طريق خلق فرص كافية للاستثمار، (قد تكون الدول العربية الغنية بالنفط لا تعاني من هذا النوع من الصعوبات وهي السعودية، الكويت، ليبيا، الإمارات العربية المتحدة، قطر، البحرين، الجزائر، العراق) إلا أن بقية الدول العربية تواجه هذه المشكلة التي تتفاوت حدتها من دولة إلى أخرى. والسبب الأساسي في ذلك أن غالبية المجتمع في الدول العربية على حالة من الفقر لا تسمح لهم مجرد التفكير بالادخار. مع العلم أنه كلما اشتد الفقر في أي قطر عربي، اشتدت الحاجة في هذا القطر إلى ادخار وتراكم رأس المال لخلق فرص استثمار جديدة، (إلا أنه كلما اشتد فقر الدولة تعذر على الشعب أن يدخر، ومن أهم واجبات التنمية الاقتصادية أن تكسر هذه الحلقة المفرغة).( ) والطريق الوحيد لكسر هذه الحلقة المفرغة هو استخدام عوائد النفط في تمويل عملية التنمية.
إذا كان معدل الدخل الفردي في بلد ما منخفضاً لا يتجاوز 500 دولار سنوياً، فإن ذلك يعني أن ليس هناك ثروات كبيرة يملكها بعض المواطنين، إن العمال والفلاحين في الوطن العربي لا ينالون كدخل فردي إلى أدنى درجات المعدل الوسطي، بينما يتمتع أفراد الطبقات الغنية بدخل مرتفع، يمكن استخدامه في تمويل عملية التنمية الاقتصادية. إلا أن هذا لا يحدث عملياً. لأن الأغنياء من الملاكين ينفقون الدخل الذي يحصلون عليه في شراء الكماليات المستوردة، وفي اقتناء الأثاث الفاخر، وفي تسديد أجور ونفقات الخدم والرحلات الترفيهية، في حين كان المفروض أن تنفق هذه الأموال في المشاريع التنموية التي تساعد البلاد في تطورها وتقدمها.
(لقد شكل وجود رأس المال أو الوسائل المادية للإنتاج الوسيلة التي انتقل بواسطتها الإنسان من البدائية إلى تكوين الحضارات، وما زال رأس المال، على الرغم من تناقص أهميته بالنسبة للتنظيم الاجتماعي للإنتاج والتقنية، يمثل المقومات المهمة التي ترتكز عليها القاعدة الإنتاجية للتنمية. ولذلك فإن تكوين رأس المال المجتمعي من وسائل الإنتاج المادية المباشرة وغير المباشرة وتحسين نوعية هذه الوسائل، يمثل أحد التحديات التي تواجه المجتمعات المختلفة والنامية على حد سواء، وتكوين رأس المال في بداية عملية التنمية يحتاج إلى كثير من التضحيات، فشد الأحزمة على البطون قد يكون ضرورة، وتخصيص معدل مرتفع نسبياً من الناتج المحلي الجاري للاستثمار من أجل التكوين الرأسمالي، يصبح نتيجة منطقية للسياسة الإنمائية).( )
إن أهم ما يحتاج إليه المجتمع في بداية مسيرته التنموية هو تكوين بنية تحتية مناسبة إضافة إلى إنشاء وتأسيس وحدات إنتاجية عصرية (المزارع، المصانع، منشآت الإنتاج الأخرى) التي تقوم بتأمين السلع والخدمات الضرورية، وهذا يحتاج طبعاً إلى تخصيص جزء كبير من التراكم الرأسمالي المحلي للاستثمار لخلق وتطوير وسائل الإنتاج المادية، التي تساهم في إنتاج السلع والخدمات لتلبية احتياجات المجتمع الأساسية، وهذا يؤدي إلى تحاشي الوقوع في قطب التبعية.
إن انعدام الموارد المالية، وضعف التراكم والاستثمار في الدول النامية يؤدي إلى عدم تمكن القطاع العام أو القطاع الخاص من بناء وتنفيذ المشروعات التنموية الجديدة، أخو خلق وسائل إنتاج مادية جديدة.
ومن المشاكل التي تؤدي داخلياً إلى ضعف التراكم والاستثمار، أنه لا توجد أمام المواطن العادي طريقة مناسبة يدخر بها الأموال التي يوفرها إذا وصل إلى مستوى كاف من الدخل، وعندما يرغب هذا المواطن في ادخار واستثمار الفائض الذي تجمع لديه إما أن يتورط مع المرابين أو النصابين الذين يستولون على أموال الناس، ثم بعد فترة يعلنون إفلاسهم فتذهب هذه المدخرات إلى جيوب المستغلين والطفيليين، وعندما تتوفر مؤسسات ائتمان وادخار أمينة محترمة، يستطيع المواطن حينذاك أن يثق بهذه المؤسسات ويتحاشى المستغلين.
ولا يكفي أن تتوفر مؤسسات الائتمان، لأن مشكلة الائتمان ليست مشكلة مؤسسات، بل في حالة نفسية وعقلية، فإن عدم الثقة (وخاصة في الدول حديثة الاستقلال) متأصل تأصلاً عميقاً في عقل المواطن العادي، ويمكن أن يحدث نتيجة لتجارب تاريخية أو قلق سياسي فلا بد من تغيير هذا الشعور لدى المواطن قبل إصلاح وتأسيس مؤسسات الائتمان.
ثمة عقبة أخرى في طريق التنمية الاقتصادية في الوطن العربي هي التجزئة والتفرقة التي تعيشها أقطار الأمة العربية، وخاصة الحواجز التي تقام في وجه حرية التبادل التجاري بين الدول العربية (ضعف وتراجع التجارة البينية العربية).
(أن التطورات والتحولات التي عرفها العالم العربي منذ حصول أقطاره على استقلالاتها السياسية لم تمكنه عملياً من تحقيق تنميته المستقلة، فكل بلد عربي مندمج في السوق الرأسمالي العالمي بانفصال عن الدول الأخرى، كما أن الأسس التاريخية وكيفيات ودرجة هذا الاندماج – وهي متغيرة في كل بلد - تشكل عوامل موضوعية تتعارض مع أية خطة تنمية طموحة وأي اندماج اقتصادي عربي منشود، وبالتالي يصعب أن نتكلم في الظروف الراهنة على (اقتصاد عربي) بالمعنى الصحيح، بل نستطيع أن نتكلم فقط على مجموعة تنظيمات اقتصادية متناقضة داخل إطار واحد.( )
ويعتبر حل المشكلة النقل والموصلات بين أقطار الوطني العربي من العوامل المساعدة في عملية التطور والتنمية، أن الطرق الجيدة والقنوات، والأنهار الصالحة للملاحة، والموانئ الحديثة، بما تحققه من ربط للأقطار العربية وخفض في تكلفة النقل، وتكون قد قربت بين أجزاء الوطن العربي المتباعدة فأصبحت في مستوى الدولة الواحدة، وتتضمن مشكلة النقل أولاً وقبل كل شيء التكلفة، ثم سلامة ما ينقل، سرعة النقل التي تسمح بقيام أسواق محلية وعربية كبيرة بدلاً من الأسواق الصغيرة المتباعدة كما وأن تطور وسائل النقل يساعد على توحيد أنماط الاستهلاك بين أقطار الوطن العربي. إن التنمية الشاملة تفيد حتماً من المسيرة القطرية للتنمية ولكنها تتسارع وتزداد صلابة ورشدانية إذا انطلقت الخطط القطرية من تخطيط إنمائي قومي.( )
تتطلب التنمية، كما هو معروف، زيادة الإنتاج المادي، وهذا يعني زيادة الإنتاج الصناعي وزيادة الإنتاج الزراعي، وحيث أن الصناعة حديثة العهد، تبدأ اليد العاملة بالانتقال من المزارع إلى المعامل لتشغيلها، وفي الوقت الذي تنتقل فيه الأيدي العاملة من المزارع يطلب من الذين يبقون فيها أن ينتجوا مزيداً من المنتجات الزراعية (الغذائية وغيرها)أكثر من أي وقت مضى، أما إذا لم يُنتج الفلاحون المزيد من المواد الغذائية يؤدي ذلك إلى عدم الاكتفاء الذاتي مما يضطر الدولة النامية لاستيراد المواد الغذائية لاطعام مواطنيها، من البلدان الأخرى، (وهذا يتنافى مع مصلحة البلاد، لأنه يجب ألا ينفق النقد الأجنبي في شراء الطعام الإضافي بل ينبغي توفير هذا النقد لتسديد قيمة ما تحتاج إليه البلاد من الآلات المستوردة من الخارج، وغير ذلك من المواد التي لا بد من الحصول عليها لتحقيق التنمية المطلوبة .
أي أن استيراد المواد الاستهلاكية يشكل عبئاً على عملية التنمية الاقتصادية، في حين يكون استيراد الآلات والأدوات ومستلزمات الإنتاج الأخرى عوامل مساعدة على النمو والتطور. لا شك أن لقطاع الزراعة دوراً مهماً في عملية التنمية، ويستطيع أن يقوم بهذا الدور من خلال تحقيق الأهداف العامة للسياسة الزراعية التالية:
1- توفير حاجات المواطنين من السلع والمواد الغذائية.
2- زيادة المحاصيل الزراعية التصديرية لتوفير القطع الأجنبي، اللازم لشراء الآلات والتكنولوجيا الحديثة من الدول الأخرى.
3- تأمين حاجات الصناعة من المواد الأولية الزراعية لتشغيل معاملها.
4- توفير السيولة النقدية للفلاحين، عندما يكون القطاع الزراعي عبارة عن سوق للسلع غير الزراعية (استهلاكية أو إنتاجية).
5- توفير فرص العمل للمواطنين والمساهمة في إنجاح خطة اليد العاملة.
هل تحقق الزراعة هذه المهمات في اقتصاديات الدول العربية؟
أمر لا يزال موضع الدراسة وتقويم في مختلف الدول العربية.
وهناك المشاريع العامة التي تحتاج الدول النامية إلى إقامتها، بسبب أهميتها، (مثل الطرقات، السكك الحديدية، المطارات، المياه، المدارس، الكهرباء، المرافق الصحية) إلا أن إنجاز هذه المشاريع يتطلب عدة سنوات، وهي لا تعود بفوائد عاجلة على جماهير المواطنين لتثبت لهم أن حكومتهم تعمل، وتحقق في طريقها تحسين مستوى المعيشة للمواطن، أن ما يهم المواطن هو تحقيق المنافع العاجية التي يمكن أن يدركها سريعاً ويلمسها بنفسه دون انتظار طويل، وخاصة على الصعيد الصحة والغذاء، حينذاك يعرف المواطن بأنه يكتسب فوائد شخصية حقيقية ناتجة عن عملية التنمية التي تهتم بها وتنفذها الحكومة.
وسواء أكانت الحكومة مستبدة أم ديموقراطية عادلة، فإن نجاح أي تطور عصري يعتمد في الدرجة الأولى على تأييد الشعب وتعاونه ولكي يتسنى للحكومة اجتذاب فكرة وكسب تأييده يجب إصلاح الأحياء الفقيرة في المدينة، وتحسين مستوى المعيشة في الريف مما يمكن أن يظهر للشعب بصورة واضحة أن هذا الإصلاح وهذا التحسين ليسا إلى خطوة في طريق التقدم، وليس إلى تنفيذاً للوعد الذي أعطته الحكومة لتحسين الأوضاع تحسيناً ذا بوادر قريبة.( )
( لذلك من الضروري أن تعمل الحكومة على كسب تأييد الشعب وتعاونه من خلال الإنجازات التي تحققها في سبيل التنمية. إن التنمية الشاملة تفيد حتماً من المسيرة القطرية للتنمية ولكنها تتسارع وتزداد صلابة ورشدانية إذا انطلقت الخطط القطرية من تخطيط إنمائي قومي).( )
هذه أهم المشاكل والصعوبات التي تتعرض لها عملية التنمية في مختلف أقطار الوطن العربي من حيث عدم تحديد هوية النظام الاقتصادي الاجتماعي في بعض الدول أو تحديد الهدف الرئيسي للنشاط الاقتصادي الاجتماعي، ولا بد أن تكون عملية التنمية الاقتصادية الاجتماعية موضع اهتمام الفئات والطبقات الاجتماعية كافة، وهذا يتطلب تحقيق مصالح مختلف فئات الشعب ويرتبط مسار التطور في الدول العربية كما في بقية الدول النامية بالظروف الداخلية للبلد وكذلك بعوامل خارجية خاصة التجارة الخارجية.
2014-04-04
تعريف الاقتصاد الإسلامي
الاقتصاد في اللغة : مأخوذ من القصد وهو استقامة الطريق والعدل ؛ وهو ما بين الإسراف والتقتير.
أما في الاصطلاح : فهو " الأحكام والقواعد الشرعية التي تنظم كسب المال وإنفاقه وأوجه تنميته "
وأحكام الاقتصاد الإسلامي تمتاز بأنها ثابتة ومتغيرة . فهي إذاً على نوعين :
ا
لأول : الأحكام الثابتة :
وهي ما كانت ثابتة بأدلة قطعية أو راجعة إلى أصل قطعي في الكتاب أو السنة أو الإجماع كحرمة الربا ، وحل البيع ،إلى غيرها من وجوب الواجبات ، وتحريم المحرمات ، وأحكام الحدود والمقدرات .
وتمتاز هذه الأحكام بأنها:لا تتغير ولا تتبدل مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة ، كما أنها تتصف بصفة العموم والمرونة ؛ لتطبق على جميع الناس من غير عسر ولا مشقة ،فهي حاكمة لتصرفات الناس لامحكومة بهم .
الثاني : الأحكام المتغيرة :
وهي الثابتة بالأدلة الظنية في سندها أو في دلالتها والمتغيرة تبعاً لمقتضيات المصلحة . وهذه الأحكام قد تتغير أحكامها باختلاف أحوال النظر فيها . فهي خاضـعة لاجتـهاد العلماء وتغيرها بحسب المصلحة يختلف أحيانا بحسب الأشخاص و الأزمان والأمكنة ، فيجوز لولي الأمر المجتهد أو العلماء المجتهدين أن يختاروا من الأحكام ما يرونه مناسباً لمستجدات الحياة وفق مقاصد الشريعة المعتبرة ([3]). ومن أمثلتها :
- تضمن الأجير المشترك -كما فعل علي بن أبى طالب- ما لم تقم بيّنة على أنه لم يتعد وقد كان الحكم قبل ذلك بعدم تضمينهم ؛ لأن يدهم يد أمانة ويد الأمان غير ضامنة فلما جاء عهد علي –رضي الله عنه – ضمّنهم لاختلاف أحوال الناس وضياع الأمانة بينهم وقال : " لا يصلح للناس إلاّ ذلك " .
- إيقاف عمر صرف سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة معللاً ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما كان يعطيهم ليتألف قلوبهم و الإسلام ضعيف، أما وقد أعزّ الله دينه فلا حاجة لتأليفهم ، وقد أقرّه الصحابة على ذلك فكان إجماعاً .
و الأحكام التي لا ترجع إلى أصل قطعي أو ظني فهي باطل لأنها ستكون من الهوى واستحسان البشر، كتحليل الربا، وإباحة الرشوة وبيع الخمور ولحوم الخنزير كما يفعل للسياحة وغيرها .
نشأة علم الاقتصاد الإسلامي :
من المقرر أن الإسلام نظم حياة الأفراد بما يحقق لهم مهمة الاستخلاف ،وعبودية الله عز وجل في الأرض. ومن ذلك تنظيم احتياج الناس لكسب المال وتوفير الاحتياجات الحياتية الخاصه بهم .
وقد كانت حياة النبي -صلى الله عليه وسلم -هي الأنموذج الأمثل لتطبيق هذا التشريع الاقتصادي وكذلك حياة الخلفاء الراشدين .
إلا أن الحياة والمشكلات الاقتصادية في الصدر الأول كانت محدودة لأمرين : -
1- فقر البيئة وتواضع الأنشطة الاقتصادية( كالرعي والتجارة المحدودة - والزراعة القليلة .. ) .
2- قوة الوازع الديني في النفوس فلا تجد غشاً ولا تدليساً ولا غبناً ولا احتكاراً ..
ولكن مع توسع المعاملات بين الناس وازدهار التجارة والصناعة ،وانفتاح المجتمعات والدول على بعضها البعض ، وضعف الوازع الديني والإيمان بالله،وظهور الحيل والخديعة في معاملات الناس ، استجدت قضايا اقتصادية تختلف تماماً عما عاشه سلف الأمة ؛كالشركات الحديثة وبيوع الأسهم والبورصات والمعاملات المصرفية وغيرها، إضافة إلى الحاجة لضبط معاملات الناس وعقودهم لكي لا تفضي إلى النزاع والخلاف ، مما أدى إلى اهتمام العلماء بدراسة هذا العلم وبحث قضاياه ومعالجة مشكلاته .
ومن هنا نجد الحاجة للنظام الإقتصادي الإسلامي في عصرنا الحاضر أكبر وأشد من أي عصر آخر للأمور الآتيه :
1- أنه يعالج باطن الإنسان وكيانه الداخلي ،ويطّهر نفسه بالمراقبة المستمرة لله عز وجل،ويربطه بالإيمان بالله واليوم الآخر .
2-تحقيق العدالة والتوازن بين حاجات الفرد والمجتمع . ومصلحة الفرد والجماعة (كما سيمر معنا في الملكية المزدوجة ) .
3-دوره الكبير في علاج الأزمة المعاصرة التي بدأت في السبعينات من خلال المظاهر التالية :
أ ) فقدان آلية الأسعار لفعاليتها في مواجهة الأزمات فالأسعار فيما مضى تتجه نحو الانخفاض في وقت الأزمة أما الآن فتتجه نحو الارتفاع وهو ما يسمى بالتضخم الركودي .
ب) أزمة الديون الخارجية التي تحكم أكثر الدول في العالم ويشير التقرير السنوي للبنك الإسلامي للتنميةلعام 1999م أن مقدار الديون الخارجية على العالم الإسلامي فقط تصل الى632مليار دولارفلم يعد باستطاعتها تسديد فوائد القروض فضلاً عن الاتجاه نحو التنمية والإنتاج المثمر .
ج) النهب المستمر للدول الفقيرة من خلال استنزاف الفائض الاقتصادي فيها ويقدر بعض الاقتصاديين أن ما تم نهبه منها في الخمسينات والستينات من قبل الدول الرأسمالية يبلغ نحو 2مليار دولار سنوياً .
النظام الرأسمالي يحكم قبضته على أكثر اقتصاديات دول العالم ، ويسيطر عليها تحت غطاء ( العولمة ) والذي بدأ يُنادى به على أنه المخرج من الواقع المظلم الذي تعيشه كثير من الأمم ليخرجها من انحطاطها إلى مدارج النهضة .
هذا ولا بد من الإشارة إلى أن الدول الكبرى وشركاتها النافذة هي التي تحظى بإيجابيات هذا النظام أما باقي الدول فقد يكون من النادر حصولها على أي آثار إيجابية وبالأخص الدول النامية .
1-إن فتح الأسواق وحرية التجارة ستؤدي إلى غلبة الاستثمار الأجنبي وسيطرة الشركات المتعددة الجنسية التي تنتج أكثر من 87% من واردات العالم و94% من صادراته وبالتالي سيضعف الإنتاج الحكومي ويعاني من الركود لعدم قدرته على المنافسة مما سيشل اقتصاد كثير من الدول النامية .
2-سيؤدي الدخول في منطقة التجارة العالمية إلى توقف الدعم الحكومي للمنتج الوطني فتضعف بالتالي المنتجات الوطنية وتخسر شركاتها .
3- زيادة معدل البطالة والتضخم في كثير من الدول نتيجة ارتفاع الأسعار المتوقع .
4-اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء لأن العولمة الاقتصادية تؤكد مبدأ المصلحة الفردية فقط، كذلك ستصاب الشعوب بحمى الاستهلاك والشراء نتيجة إغراق الأسواق بالمنتجات الكمالية وطغيان الدعاية والإعلان على عقول الناس مما يحقق ثراءً أكبر للأغنياء وفقراً للبقية من الأفراد .
ومن هنا كان من المهم بيان الدور الذي يمكن أن يقوم به الاقتصاد الإسلامي لحل مشكلات العالم الاقتصادية ،وكيف يحقق للأفراد النماء والاستقرار والكفاية دون الوقوع في منزلق الحاجة والعوز. ولعلنا من خلال الصفحات القادمة أن نسلط الضوء على أهم أركان الاقتصاد الإسلامي والتي يتضح من خلالها سعي الإسلام لرفاء الناس وسد حاجاتهم وإسعادهم في الدنيا والآخرة .
دعوات لتطبيق الشريعة الإسلامية كحلٍ للأزمة المالية
دعت كبرى الصحف الاقتصادية الغربية إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كحل مؤكد للخروج من الأزمة المالية العالمية التي تهدد بانهيار أسواق المال العالمية، بعد الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي هزت أمريكا وأوروبا.
فقد كتب "بوفيس فانسون" رئيس تحرير مجلة تشالينجز موضوعا بعنوان "البابا أو القرآن" تساءل الكاتب فيه عن أخلاقية الرأسمالية؟ ودور "المسيحية" كديانة والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس هذا المنزع والتساهل في تبرير الفائدة، مشيرا إلى أن هذا النسل الاقتصادي السيئ أودى بالبشرية إلى الهاوية.
وتساءل الكاتب بأسلوب يقترب من التهكم من موقف الكنيسة قائلا: "أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود".
وقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية الأمريكية لتشمل المزيد من البنوك والمؤسسات المالية الكبرى والأسهم والسندات فضلا عن صناديق التقاعد ومدخرات الأمريكيين. وسعى الرئيس الأمريكي للتنسيق مع أوروبا لاحتواء الأزمة فيما نسقت الأخيرة جهودها في هذا الإطار.
بدوره؛ طالب رولان لاسكين رئيس تحرير صحيفة "لوجورنال د فينانس" بوضوح أكثر بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة.
وعرض لاسكين في مقاله بافتتاحية الصحيفة التي يرأس تحريرها والذي جاء بعنوان: "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟"، المخاطر التي تحدق بالرأسمالية وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع، وقدم سلسلة من المقترحات المثيرة في مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية.
ومن ناحيتها, أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية -وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك- في وقت سابق قرارا يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي واشتراط التقابض في أجل محدد بثلاثة أيام لا أكثر من إبرام العقد، وهو ما يتطابق مع أحكام الفقه الإسلامي.
كما أصدرت نفس الهيئة قرارا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامي في السوق المنظمة الفرنسية.
والصكوك الإسلامية هي عبارة عن سندات إسلامية مرتبطة بأصول ضامنة بطرق متنوعة تتلاءم مع مقتضيات الشريعة الإسلامية.
كما أكد تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الفرنسي أن النظام المصرفي الإسلامي مريح للجميع مسلمين وغير مسلمين ويمكن تطبيقه في جميع البلاد فضلاً عن كونه يلبي رغبات كونية.
وكانت لجنة المالية ومراقبة الميزانية والحسابات الاقتصادية للدولة بمجلس الشيوخ الفرنسي قد نظمت طاولتين مستديرتين في منتصف مايو 2008 حول النظام المصرفي الإسلامي لتقييم الفرص والوسائل التي تسمح لفرنسا بولوج هذا النظام الذي يعيش ازدهاراً واضحاً وجمعت أعمال الطاولتين في تقرير واحد.
وأعطت الطاولة المستديرة الأولى صورة عن أنشطة الصناعة المالية الفرنسية في سوق ما زال متركزاً في المنطقة العربية وجنوب شرق آسيا، والأهمية المتزايدة بالنسبة لفرنسا في أن تعتني بهذا المجال المالي المعتمد على الشريعة الإسلامية.
كما ركزت الطاولة المستديرة الثانية على العوائق التشريعية والضريبية المحتمل أن تحول دون تطوير هذا النظام في فرنسا ومن ذلك مثلاً فتح مصارف إسلامية بفرنسا أو إقامة نظم تشريعية وضريبية على التراب الفرنسي تراعي قواعد الشريعة الإسلامية في المجال المالي أو إصدار صكوك.
وإطلاق صفة "الإسلامي" على منتج مالي أو معاملة مالية يعني احترام خمسة مبادئ حددها النظام الإسلامي المالي، وهي تحريم الربا .. وتحريم بيع الغرر والميسر .. وتحريم التعامل في الأمور المحرمة شرعاً (الخمر والزنا..) وتقاسم الربح والخسارة .. وتحريم التورق إلا بشروط.
كما سنحت للطاولة بحسب موقع الجزيرة نت الإطلاع على التجربة البريطانية في هذا المجال وما يمكن استخلاصه منها والإطلاع كذلك على الأفكار التي تتداول الآن في فرنسا حول هذا الموضوع من طرف المتخصصين والسلطات العمومية.
وأكد التقرير تناقض الموقف الفرنسي من النظام المصرفي الإسلامي، فهناك اهتمام بهذا النظام وفي نفس الوقت يوجد جمود في التعاطي معه، فأغلب المجموعات المصرفية الفرنسية فتحت لها فروعاً في البلاد العربية والإسلامية تتعاطى مع النظام الإسلامي المالي، في حين ما زال موقف الفروع الرئيسية بفرنسا محجماً في التعاطي معه.
كما أنه لا توجد معوقات تشريعية أو ضريبية من شأنها أن تفسخ بيوعاً ذات صبغة إسلامية، بل إن بعض النصوص التشريعية الفرنسية في مجال الضرائب غير بعيدة عن النصوص الإسلامية.
ودعا التقرير إلى توسيع دائرة النقاش حول هذا الموضوع ليشمل إلى جانب لجنة مجلس الشيوخ الجالية المسلمة الموجودة في فرنسا والمكونة من خمسة ملايين ونصف مليون شخص. وتعد فرنسا متأخرة جداً في مجال احتضان هذا النظام مقارنة مع الدول الأوروبية حيث كانت بريطانيا الرائدة في القبول به على أراضيها وقد أصدرت نصوصاً تشريعية وضريبية من شأنها أن تشجع النظام الإسلامي المالي وفتح بها أول مصرف إسلامي عام 2004.
وتظهر منافسة النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي الغربي في كون معدل النمو السنوي للأنشطة الإسلامية يتراوح ما بين 10 إلى 15%. كما بلغ مجموع الأنشطة المسيرة من قبل المصارف ومؤسسات التأمين الإسلامية 500 مليار دولار نهاية عام 2007، وتبلغ قيمة الأصول المتداولة التي تراعي أحكام الشريعة والمعلن عنها وغير المعلن حدود 700 مليار دولار في الوقت الراهن
.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)